ومن كلامه رحمه الله فيمن آذوه، في رسالة كتبها لأصحابه في العقود الدرية: «فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي»، بل إن بعض هؤلاء حكموا على الشيخ ابن تيمية بكفره واستباحة دمه، ومع ذلك لم يحكم عليهم بالقتل، ومن هؤلاء: ابن مخلوف، فإنه كتب إلى السلطان قائلاً عن ابن تيمية (العقود الدرية): «يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره»، وطالب عدد من العلماء في عصره بقتله كما ورد في كتاب الجامع لسيرة ابن تيمية، ومع ذلك كله لم يحكم ابن تيمية باستباحة دمائهم، بل قال عن ابن مخلوف (مجموع الفتاوى): «وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عوناً للشيطان على إخواني المسلمين»، وقال ابن مخلوف بعد ذلك منصفاً لإبن تيمية كما في قول ابن كثير في (البداية والنهاية): «فها هو ابن مخلوف يقول :»ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا».
وحينما أراد السلطان ابن قلوون من ابن تيمية أن يُصدر فتوى يحكم فيها بحل دم الفقهاء الذين اختلفوا معه في الصفات ونصروا ابن عربي والذين آذوه وأفتوا بقتله، فأنكر ابن تيمية ذلك أشد الإنكار، وقال للسلطان (البداية والنهاية): «إنك إن قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء». وعندما غضب السلطان على الشيخ البكري المالكي فأراد الانتقام منه وقتله، توسط له ابن تيمية وسعى إلى تخليصه من المحنة التي وقع فيها مع أنه كان من أشد الناس الساعين إلى قتل ابن تيمية، ومن أشد من تبنى القول بجواز الاستغاثة بالأموات، وكل ذلك يؤكد أن إبن تيمية أجل وأسمى مما اتهموه به، فلا أحرص منه على جمع الكلمة وحقن الدماء، قال في مجموع الفتاوى: «والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين وطلبًا لاتفاق كلمتهم واتباعًا لما أمرنا به من الإعتصام بحبل الله»، وقال ابن القيم في مدارج السالكين يصف أخلاقه: «وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه فرحمه الله ورضى عنه»، وليس أرحم منه بخصومه، قال في مجموع الفتاوى: «وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشراً لقضاء الشام أراد أن يحلق لحية هذا الأذرعي وأحضر الموسى والحمار ليركبه ويطوف به فجاء أخوه عرفني ذلك فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك وجرت أمور لم أزل فيها محسناً إليهم».. وكيف يكون ابن تيمية كما اتهموه بسفك الدماء وهو بطل هذه القصة مع مخالفيه في العقود الدرية: «واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس وقال له بعضهم يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا. فقال لهم الشيخ لأي شيء قال لأجلك فقال لهم هذا ما يحق، فقالوا نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم هذا ما يحل قالوا فهذا الذي قد فعلوه معك يحل هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم علىا فعلوا، والشيخ ينهاهم ويزجرهم»، وما أشبه هذه الأخلاق بأخلاق الإمام أحمد بن حنبل حينما جاءه فقهاء بغداد ليأذن لهم بالخروج فنهرهم وقال: اتقوا الله في الدماء.
بل إنه يظهر تسامحه في قوله في المجموع: «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً»، وخير ما ينفي عنه التكفير عبارة الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: «وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم».
